رقصة الحرف الأخيرة

شعر

 أديب كمال الدين

Adeeb Kamal Ad-Deen

Last Dance of the Letter

  

 

منشورات ضفاف، بيروت، لبنان 2015

 

 

 

 

كُتِبتْ قصائد المجموعة في أستراليا عام 2014

 

 

  

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى *  وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا)

سورة النجم. الآيتان 43 و44

 

  

المحتويات

- كاف السؤال ............................13

- توريث ................................ 21

- قاف القضبان ......................... 33

- راء المطر.............................. 41

- حاء الحلم ............................. 47

- البحر والمرآة ..........................  53

- الكلُّ يرقص  .........................   61

- البحر صديقي .........................  67

- ميم المشهد    ......................... 73

- الموتى يرقصون عند الباب  ...........  83

- القصيدة الأنويّة  ......................  89

- قاب قوسين    ......................... 95

- قصيدة السيرك   ......................  101

- سينُ العظام والحُطام  .................. 109

- تناقضات   ............................ 115

- قصيدة اللقلق   ........................ 119

- صلاة صوفيّة ......................... 125

- رقصة ملعونة ......................... 129

- تكرار   ............................... 135

- سيرة ذاتيّة  ............................ 141

 

 

 

 

كاف السؤال

 

 

1.

ما دمتَ قد أنفقتَ عمرَك

تتأمّلُ في ميمِ المرآة،

فكيفَ سترى

ميمَ الذي كانَ مِن العرش

قابَ قوسين أو أدنى؟

2.

ما دمتَ قد أنفقتَ عمرَك

وأنتَ تضعُ قدميكَ الحافيتين

في راء الفرات

ليلَ نهار،

فكيفَ ستركبُ غيمةً

تُحلّقُ بكَ بعيداً بعيداً؟

3.

ما دمتَ قد ضعتَ كثيراً

في شينِ الشوق،

فكيفَ ستأمن

ألّا تحاصر نقاطُ الشين

قصيدتَكَ وهي ترقصُ حدّ الجنون؟

4.

ما دمتَ قد بكيتَ طويلاً

على حاء الحرمان،

فكيفَ سترسمُ للمبتهجين

لوحةَ حاءِ الحريّة راقصةً

حدّ اللعنة؟

5.

ما دمتَ قد  قضّيتَ العمرَ كلّه

تتحسّرُ على أوفيليا الغريقة

كوردةِ حُبٍّ كبيرة،

فكيفَ طردتَ هاملت

حينَ جاءكَ مَذهولاً باكياً

وتركتَه يذرع الشوارع

والمنافي والبحار

تائهاً إلى أبد الآبدين؟

6.

ما دمتَ قد رسمتَ لوحةَ الوجود

بألوان الدمِ والثلجِ والسرير،

فكيفَ ستنجو لوحتُكَ الكبرى

مِن غَلَبةِ الأحمر الناريّ

والأبيض المُتوحّش

والرماديّ الممسُوس؟

7.

ما دمتَ قد قرّرتَ أنْ تنجو مِن الفخّ،

فكيفَ أخذتَ معك

حُطامَ ذاكرتك

وأقفالَها الصدئة؟

8.

ما دمتَ قد قرّرتَ أنْ تلهو قليلاً

منتصفَ الليل

بأنْ تكتب الشعر،

فلماذا لم تبدأ اللعبة

بإطلاقِ النارِ على رأسِك؟

9.

ما دمتَ قد سجنتَ روحَك

في سجنِ الأرقام،

فأينَ هي آياتكَ التسع؟

10.

ما دمتَ قد قرّرتَ أنْ تنجو

ممّا أنتَ فيه،

فلماذا أطفأتَ الضوءَ في مفتتحِ القصيدة

فبكت الحروف

وملأت النقاطُ صالةَ العرضِ بالصراخ؟

11.

ما دمتَ قد انقسمتَ،

لسوء الحظّ،

إلى حلمين،

فكيفَ ستمشي

دونَ أنْ يتصارعَ الظلامُ والنور

في روحِكَ حدّ الهذيان؟

12.

ما دمتَ قد بدأتَ الصلاة،

فكيفَ السبيل إلى وقفِ دموعِ القلب

بعد أنْ عجزتَ عن وقفِ دموعِ العين؟

13.

ما دمتَ قد وُلِدتَ في ساعةِ نحس،

فلماذا تتحدّثُ عن الأفلاكِ والطوالع

لمَن لا يعرفُ الأفلاكَ إلّا عبر الثقوب

ولمَن لا يعرفُ الطوالع

إلّا عبر رنين الذهب؟

14.

ما دمتَ تبحثُ عن مأوى،

فكيفَ تركتَ كأس الخمر

تقودُكَ إلى الجحيم؟

15.

ما دمتَ لا تعرف

ما تفعلهُ هذي اللحظة،

فلماذا لا تجرّب إطلاقَ النار

على المرأةِ العارية

في المرآةِ العارية؟

16.

ما دامَ القَدَرُ قد أحاطَ بكَ

مِن كلّ جانب،

فكيفَ غادرتكَ حيطتُك

لتختارَ حائطَ الكتابة

بدلاً مِن حائطِ الصمت؟

17.

ما دمتَ تسيرُ في الدنيا بلا بوصلة،

فلماذا لا تُجرّب

أنْ تكونَ بحّاراً في بحرِ النقطة

حدّ أنْ تطفو جُثّتُك

فَتُريحَ وتستريح؟

18.

ما دمتَ، وسط الزلزلة الكبرى،

قد نسيتَ اسمَكَ إلى الأبد،

فَعَلامَ تحاولُ أنْ تتذكّر

حيث لا تنفع الذكرى؟

19.

ما دمتَ قد متَّ منذ زمنٍ طويل

واسترحتَ في موتِكَ الأسطوريّ،

فلماذا تحاولُ أنْ تخرجَ أصابعكَ

مِن القبر

كلّما مَطَرَت السماء؟

 

 

 

 

توريث

 

 

1.

حينَ ماتَ تَد هيوز

أورثني غرابَه مَحبوساً في قفص.

ولأنَّ غرابه لا يجيدُ سوى الهرطقة والتجديف

لذا أطلقتُ سراحَه فوراً.

لكنَّ الغراب لم يُحلّقْ بعيداً

كما توقّعتُ

بل حطَّ على عمودِ الكهرباءِ المُجاورِ لشرفتي

لينظرَ إليَّ بعينين حاقدتين

وقلبٍ أسْوَد.

2.

حينَ انتحرتْ سيلفيا بلاث

أورثتني مرآتَها الصغيرةَ الحمراء.

ولأنّي لا أحبُّ مرايا النساء

فقد رميتُها في النهرِ المُجاور.

لكنَّ المرآة لم تغرقْ سريعاً

كما توقّعتُ

بل صارتْ تنتقلُ مِن نهرٍ إلى نهر

حتّى وصلتْ إلى البحر

فتحوّلتْ إلى مركبٍ عظيمٍ مِن المرايا.

3.

حينَ ماتَ شارلي شابلن

أورثني ضحكتَه الساخرة

وقبّعتَه وعصاه.

لم أستفدْ مِن ضحكته الساخرة

لأنّي لا أجيدُ فنَّ التمثيلِ على الإطلاق.

ولم أستفدْ مِن قبّعتِه

فحينَ وضعتُها على رأسي بكيتُ.

ولم أستفدْ مِن عصاه

فحينَ توكّأتُ عليها

تدحرجتُ على الأرضِ طويلاً

طويلاً.

4.

حينَ ماتَ دانتي

أورثني كتابَه: الجحيم.

ولأنّي أعيشُ في الجحيم حقّاً وصدقاً

فلم أجد الكتابَ مُمتعاً

رغمَ لغته الهائلة

وصوره السحريّة.

ولذا تبرّعتُ بهِ إلى جمعيةِ الشعراءِ المَلاحدة

فقبلوه مِنّي على مَضَض.

5.

حينَ ماتَ ديكُ الجنّ

أورثني ديوانَ مراثيه الخطيرة

لحبيبته التي قتلَها في لحظةِ شكٍّ وجنون.

ولأنّي أكرهُ المراثي كلّها

فقد أهديتُه

إلى أمينِ مكتبةِ المدينة،

فتصوّرهُ كتاباً عن الجنّ،

فرماهُ بوجهي وهو يصرخ:

خذْ كتابَكَ واخرجْ أيّها المجنون!

6.

حينَ ماتَ طاغور

أورثني لحيتَه البيضاءَ الطويلة.

ولأنّي لا أستطيع

أنْ أرتدي لحيتَه العظيمةَ أبداً

ولا أستطيع بيعَها إلى أحدٍ أبداً،

لذا أعطيتُها

إلى صاحبِ محلٍّ لبيعِ الإكسسوارات

فأخذها منّي بوقارٍ شديد

ورماها، أمامي، في سَلّةِ المُهملات!

7.

حينَ قُتِلَ لوركا

أورثني الرصاصاتِ التي قتلته.

فاحترتُ ماذا أفعلُ بها.

ثُمَّ خطرَ ببالي

أنْ أهديها إلى مديرِ متحفِ الشعراءِ في العالم،

فَذُهِلَ بالرصاصات

وذُهِلَ أكثر حينَ رأى دمَ لوركا عليها.

لكنّه بقي صامتاً كصمتِ القبور.

هكذا غادرتُ مكتبَه الزجاجيّ الأنيق

وتركتُه مَذهولاً بعينيه الحجريتين

وقلبه الأخرس.

8.

حينَ ماتَ السندباد

أورثني كتابَ حكاياته الساحرة

عن الذهبِ والفضّةِ والنساء.

فقرّرتُ أنْ أركبَ البحر

إلى حيث أبحر السندباد.

لكنني لم أجد الذهبَ والفضّةَ والنساء

بل وجدتُ كتاباً عَتيقاً

كتبهُ مؤرّخُ أهلِ البلادِ يقول:

هنا وصلَ السندباد.

ولكثرةِ أكاذيبه وخزعبلاته ونزواته

أقمنا له حفلةً وشويناه.

9.

حينَ ماتَ بيكيت

أورثني مسرحيتَه العُظمى

ومُهرّجيه المَساكين وهذيانهم المُركّز.

فاحترتُ ماذا أفعلُ بكلِّ ذلك.

لكنني ذات حياةٍ

كتبتُ مسرحيةً حُروفيّةً كبرى

عن الانتظارِ العبثيّ،

مسرحية لم يشاهدها أحد

لأنّه لم يمثّلها أحد.

10.

حينَ انتحرَ همنغواي

أورثني البندقيةَ التي انتحرَ بها.

فاحترتُ ماذا أفعلُ بها.

ثُمَّ خطرَ ببالي أنْ أجرّبَ إطلاقَ النار

على رأسي

كما فعلَ همنغواي قَبْلي.

لكنني حزنتُ

بل بكيتُ بُكاءً مُرّاً

حين وجدتُ البندقيةَ خاليةً مِن الطلقات.

11.

حينَ ماتَ جان دمّو غريباً

في بلادِ الكنغر

أورثني قنّينةَ الخمرِ الفارغة.

فتبرّعتُ بها على الفور

إلى جمعيةِ الكحوليين في العالم

ففرحوا بها ورقصوا بصخبٍ هائل

وهم يتبادلون الشتائم والسباب.

12.

حينَ قُتِلَ محمود البريكان

أورثني قصيدتَه: "حارس الفنار".

فاحترتُ ماذا أفعلُ بها.

لكنّه زارني، وهو الميّت،

في لحظتي الشعريّة

وأمسكَ بيدي

لأكتبَ عنه قصيدتي:

"حارس الفنار قتيلاً".

13.

حينَ ماتَ التوحيديّ

أورثني بقايا كتبه المُحترقة.

فلم أدرِ ما أفعلُ بها.

جلستُ قبالتها

وكتبتُ بعينين دامعتين

قصيدةً عن الدخانِ المُتصاعدِ منها.

وكلّما مرَّ قومٌ سخروا منّي

وقالوا: مجنونٌ أحرقَ كتبَه

وآخر يبكي عليها.

14.

حينَ صُلِبَ الحَلّاجُ وأُحرِقَ

أورثني رمادَ جُثّته.

فاحترتُ بأمرِ هذا الرماد.

لكنني ذات غروبٍ

وضعتُه في أكياسٍ صغيرة

وذررتهُ  في دجلة.

ذررتُ  كلّ سنةٍ كيساً

ولم أزلْ على هذا الحال:

لا أنا أموت

ولا الأكياس تنتهي.

15.

حينَ ماتَ كلكامش

أورثني خيبتَه

وبحثَه العبثيّ عن سرِّ الخلود.

لم أستطعْ أنْ أفعلَ شيئاً لخيبته

لأنّها كانتْ أسطوريّة القلبِ والشفتين،

ولم أفكّر يوماً بسرِّ الخلود.

ففي زمنِ العَولَمَة،

الخلودُ ، فقط ، للدجّالين

والمُهرّجين والسفَلَة.

16.

حينَ ماتَ أبي

لم يورثني شيئاً سوى دمعته.

فاحترتُ بها

لكنني ذات فجرٍ

وضعتُ الدمعةَ في كفّي

ومددتُ كفّي إلى الله،

إلى ما شاءَ الله.

فعادتْ إليَّ بعشراتِ الحروف

ومئاتِ القصائد.

17.

حينَ ماتَ الألفُ أورثني همزتَه.

فاحترتُ بأمرِها.

وحين وجدتُ جَسَدَي

جُثّةً مُلقاةً في الشارع،

تعمَّمَتُ بالهمزة بعد جهدٍ جهيد.

فأفقتُ مِن مَوتي،

وبدأتُ أكتبُ نَفْسي بنَفْسي

وأغنّي نَفْسي لنَفْسي.

18.

حينَ ماتت الحاء

أورثتني مَوتاً مُضافاً إلى مَوتي.

ولأنني قد اعتدتُ على مشهدِ الموت

منذ الطفولة،

لذا لم أحترْ كثيراً

وقرّرتُ أنْ أجمّده في ثلّاجةِ الذاكرة

بدلاً مِن ثلّاجةِ الموتى.

19.

وأخيراً حينَ ماتت النقطة

أورثتني سرَّها الخطير،

فاحترتُ ماذا أفعلُ به.

ثُمَّ قرّرتُ أنْ أتبرعَ به إلى روحي.

لكنني لم أجدْ روحي

لأنّها، كما أخبرتني الملائكة،

ماتتْ منذ زمنٍ طويل

وتحوّلتْ إلى حرفٍ مِن تُراب.

 

 

 

 

 

قاف القضبان

 

 

1.

جلسَ الشاعرُ خلفَ القضبان

فأخذَ يدمدمُ على الفور

بحروفِ قصيدته الموشومةِ بالأسى والأنين.

2.

جلسَ الطفلُ خلفَ القضبان

فأخذَ ينظرُ بعينين دامعتين

إلى الأطفالِ في ساحةِ الحلم

وهم يتقافزون

ضاحكين حولَ الكُرة.

3.

جلسَ الشحّاذُ خلفَ القضبان

وهو يحلمُ برغيفِ خُبز.

ظلَّ يحلمُ ويحلمُ

حتّى باغته النوم

فتكوّمَ على الأرض

هو وملابسه الرثّة.

4.

جلست العانسُ خلفَ القضبان

طويلاً

حتّى ملّتْ مِن القضبان

وملّت القضبانُ مِنها،

فكتبتْ حلمَها المخذول

أغنيةَ جناحٍ مكسور.

5.

جلسَ البريءُ خلفَ القضبان

فرأى القضاةَ والمحامين والجمهور

يتبادلون النكاتِ عِن الزحامِ وأحوالِ الطقس،

ويعلكون الكلماتِ الفضفاضةِ عن العدالة،

ويضحكون مِن حظّه الأسْوَد حدّ اللعنة.

6.

جلسَ الزمنُ خلفَ القضبان

وهو يرى الساعات

تفرُّ مِن بين يديه الضعيفتين

مثل طيورٍ فُتِحَ لها،

فجأةً،

باب القفص.

7.

جلست الجيمُ خلفَ القضبان

فرأت الحاء ترقصُ

وهي تشيرُ إلى الحُبّ،

وتضحكُ

وهي تشيرُ إلى الحرّيّة.

فيما كانت الجيمُ مُثقلةً

بنقطتِها التي صيّرتْها جُثّةً

تنزفُ ليلَ نهار

دماً وكوابيس.

8.

جلسَ السجّانُ خلفَ القضبان

فتلمّسَ فرحاً قسوتَها ووحشيّتها

ثمَّ ارتجفَ هلعاً

حينَ تذكّر أنّه الآن السجين

لا السجّان!

9.

جلسَ البلبلُ خلفَ القضبان حزيناً.

فلأوّل مَرّة

نسي أغنيتَه التي أنشدَها

مِن قبل ألفَ مَرّة.

10.

جلست المرآةُ خلفَ القضبان

سوداءَ القلب

لأنّها كانتْ تنيرُ صورةَ القضبان.

11.

جلسَ الليلُ خلفَ القضبان

مُرتبكاً

لا يعرفُ ماذا يفعل،

لا يعرفُ كيفَ يخبرُ الفجرَ

بمأساته العجيبة.

12.

جلسَ الأسدُ خلفَ القضبان.

كانَ زئيره مُرعِباً

تتناثرُ مِنه جلودُ الحيوانات

والأفاعي وريشُ الطيور.

13.

جلسَ المنحوسُ خلفَ القضبان.

كانتْ ذاكرته تشبهُ سفينةً

تتقاذفُها الأمواج.

14.

جلست العاشقةُ خلفَ القضبان.

حاولتْ أنْ تتكلّم

فخذلَها قلبُها

وخذلَها لسانُها

وخذلتها الكلمات.

15.

جلست النونُ خلفَ القضبان.

بحثتْ عن نقطتِها،

لم تجدها

فارتبكتْ

مثل أمٍّ ضيّعتْ وحيدَها في السوق.

16.

جلسَ المنفيُّ خلفَ القضبان

فرأى صفوفاً مِن القضبان

لا تنتهي

أبداً.

17.

جلست التفّاحةُ خلفَ القضبان،

فَذُهِلتْ وهي ترى عشرات السكاكين

تحاولُ أنْ تنهشَ جسدَها.

18.

جلست الموسيقى خلفَ القضبان.

حاولتْ أنْ تتكلّم

فتحوّلَ كلامُها إلى أنين،

وحاولتْ أنْ تقوم

فرفسَها الشرطيّ

وأسقطَها على الأرض.

19.

جلسَ الصوفيُّ خلفَ القضبان،

جلسَ بقلبٍ مُطمئن

لأنَّ القضبان

لم تستطعْ منعَ قلبِه

مِن ترديدِ أسماءِ الله،

ولا البكاء

ما بين يديها المُقدّستين الطيّبتين.

 

 

  

 

راء المطر

 

 

1.

حتّى قطرات المطر،

وهي تهبطُ على الأرضِ سلاماً وَمَحبّة،

صارتْ تُبكيني.

2.

ما اسمهُ المطر؟

3.

ما اسمهُ المطر؟

لأوّلِ مَرّةٍ سألتُ نَفْسي.

وإذ لم تُجبْ،

سألتُ الغيمةَ الواقفةَ بلا مُبالاةٍ

فوقَ رأسي:

ما اسمهُ المطر؟

4.

لم تُجب الغيمةُ أيضاً.

ظلّتْ مُستمتعةً بلا مُبالاتها

غيرَ أنّها رشقتني

برشقاتٍ قويّةٍ مِن المطر

بلّلتْ ذاكرتي وروحي وثيابي.

5.

صحتُ: ما اسمهُ المطر؟

قالت الغيمةُ فجأةً: أيّ مطر؟

قلتُ لها: مطر بغداد،

مطر الفرات،

مطر الحرمان،

مطر السفارةِ الثلجيّة،

مطر السجن،

مطر البلدِ البعيد.

6.

رشقتني الغيمةُ مُجدّداً

بالمزيدِ مِن المطر

وبالمزيدِ مِن الضياع.

المزيد مِن المطر

على رأسي الذي شيّبتهُ الحروب،

والمزيد مِن المطر

على قلبي الذي أحاطتْ

به الحروفُ مِن كلّ جانب.

7.

مطرُ بغداد،

قالت الغيمة،

اسمهُ: اللعنة.

8.

مطرُ الفرات،

قالت الغيمة،

اسمهُ: الدمعة.

9.

مطرُ الحرمان،

ولم يزل الكلامُ للغيمة،

اسمهُ: المرأة.

10.

مطرُ السفارةِ الثلجيّة

اسمهُ: الخيبة.

11.

مطرُ السجن

اسمهُ: الطعنة.

12.

مطرُ البلدِ البعيد

اسمهُ: الضحكُ الأسْوَد.

13.

هكذا قالت الغيمة.

14.

إذن، شكراً بغداد.

وصلتْ لعنتُك

وترجمتُها إلى سبعين لغة حيّة ومُنقرضة.

15.

شكراً للفرات.

وصلتْ دمعتُك

فحاولَ أنْ يسرقها مِنّي الشاعرُ المُرائي.

وحينَ رفعتُ يديَّ إلى السماء

عادتْ إليَّ دمعتي

بعشراتِ القصائد الباكية.

16.

شكراً للحرمان.

وصلتْ نقطةُ حرفِك

امرأةً طلسمتْ كلَّ جمالِ الأرض

وكلَّ عذابه

وكلَّ أمطاره.

17.

شكراً للسفارةِ الثلجيّة.

لكنّي لم أجدْ ترجمةً مُناسِبة

لكلمةِ: "الخيبة" في كتابِ الأمطار.

18.

شكراً للسجن.

وصلتْ طعنتُكَ فأحرقتْ

ما تبقّى مِن كبدي.

19.

شكراً للبلدِ البعيد.

وصلتْ ضحكتُكَ السوداء

أبجديّةً لا تنتهي مِن الدموع،

أبجديّةً لا تنتهي مِن المطر.

 

 

حاء الحلم

 

 

1.

فتّشتُ بعينين دامعتين عن حاء الحلم،

فتّشتُ أوراقَ قصائدي القديمة،

لم أجدْ إلّا حاء نوح

وحاء الحرمان

وحاء الحرب

وحاء الحنين.

2.

بسرعةٍ أطلقتُ النارَ على حاء الحنين

فأصبتُ مِنها مَقْتَلاً،

لأنني لا أملكُ ما أحنُّ إليه:

الفرات وقد تجاهلني،

ودجلة لم تتعرّفْ عليّ،

وكلكامش لم أجده في المتحف

كما كانَ الوعد.

3.

آ...

كلكامش الذي ماتَ بالنوبةِ القلبيّة

بعدما أُصيبَ عرشه العظيم

بصاروخٍ عظيم،

كما قالَ لي الصحفيون.

كلكامش الذي أُصيبَ بداء الداء،

بعد أنْ سرقت الأفعى مِنه سرَّ الخلود

كما قالَ لي المؤرّخون.

كلكامش الذي تعبَ مِن وقوفه العبثيّ

ببابِ المتحفِ العراقيّ

ينظرُ إلى آلافِ الدراهم الممسوحة

وهي تصرخُ وتهرّجُ ليلَ نهار،

كما قالَ لي الحشّاشون.

4.

ثُمَّ انتبهتُ إلى حاء الحرب،

كانتْ مُدمّاة مِن السرّةِ حتّى العنق

في حروبِ الطاغيةِ التي طاردتني

بنجاحٍ عظيم

مِن يومٍ إلى آخر،

ومِن سنةٍ إلى أخرى،

ومِن دهرٍ إلى آخر.

ولم تتركني إلّا خشبة طافية

يتلاعبُ بها الموجُ على شاطئ المُحيط.

5.

ما أكثر حروبكَ يا حرفي!

6.

ثُمَّ خرجتُ أبحثُ عن حاء نوح،

عن أكثر الحاءاتِ سِرّاً:

نوح الجسدِ وهو السفينة،

نوح القلبِ وهو نوح نَفْسه.

7.

ما مِن غصنِ زيتون

لارتباكِ سفينةِ الجسد

وهي تمشي في موجٍ كالجبال.

ولذا فإنّ القلبَ لا يكفُّ عن البكاءِ أبداً،

لا يكفُّ عن البكاءِ والدمدمةِ أبداً.

8.

أيُّ قلبٍ لا يكفُّ عن البكاءِ والدمدمة:

قلبكَ أم قلب نوح؟

9.

قلبكَ أم قلب غرابِ نوح؟

10.

قلبكَ أم قلب حمامةِ نوح؟

11.

قلبكَ أم قلب سفينةِ نوح؟

12.

قلبكَ أم قلب بحرِ نوح؟

13.

في بحثي المجنونِ عن حاء نوح

وحاء الحرمان

وحاء الحرب

وحاء الحنين،

نسيتُ أنْ أبحثَ عن حاء الحُبّ.

14.

حاءُ الحُبّ أكثرُ الحاءاتِ شَعْوذةً،

هكذا قالَ لي الصحفيون.

15.

حاءُ الحُبّ أكثرُ الحاءاتِ التباساً

وغموضاً وهرطقةً،

هكذا قالَ لي المؤرّخون.

16.

حاءُ الحُبّ أكثرُ الحاءاتِ مَبْعثاً

للضحكِ والفكاهةِ والسخرية،

هكذا قالَ لي الحشّاشون.

17.

لكنّ قلبي قال:

حاء الحُبّ أكثر الحاءاتِ مَبْعثاً للجنون.

18.

ولذا جمعتُ قصاصات قصيدتي،

وصنعتُ منها وسادةً صغيرة،

ووضعتُها تحتَ رأسي،

ونمتُ.

19.

نمتُ سعيداً،

وأنا أحلمُ بحاء الحلم،

أحلمُ كأيّ طفلٍ ينتظرُ صباحَ العيد،

العيد الذي سحقتْ رأسَه حاءُ الحرب،

وحاءُ الحرمان،

وحاءُ الجحيم!

 

 

 

 

البحر والمرآة

 

 

1.

سبحت المرأةُ في البحر

فسبحَ البحرُ في المرآة.

انكسرت المرآةُ لسببٍ مجهول

فضاعت المرأة

وضاعَ البحرُ بالطبع.

2.

جلست المرأةُ على شجرتي

وبادلتْ غصني ببيضِ الطائر.

أردتُ أنْ أصوّرَ المشهد

فظهرت الصورةُ ساذجةً

يتطايرُ منها الريش،

وظهرت المرأةُ عاريةً

يتطايرُ منها الغيم.

3.

الحياةُ أغنيةٌ تعبتْ من ترديدِ كلماتِها

أعشاشُ البحر

وجسورُ البحر

وطيورُ البحر.

4.

أردتُ أنْ أكتبَ عنكِ

فلم أستطعْ

لأنَّ الحرف لا يستطيع الجلوسَ على الورقة.

كانَ يطيرُ حيناً

ويبكي حيناً آخر

ويبدّلُ أقنعتَه باستمرار

ويحاولُ الانتحارَ ليلَ نهار.

5.

أنتِ سفينةٌ تبحثُ عن ميناء.

رحلتُكِ لن تتوقف أبداً

لأنّ بحركِ لا يكفُّ

عن الهذيان والطوفان.

6.

كلّما ارتبكتُ هرعتُ إلى القصيدة

وطرقتُ بابَها كالمجنون.

7.

في السيركِ العظيم،

كلّما تعلّمتُ لعبةً مُرعبة

طلبوا منّي أنْ أتعلّمَ لعبةً جديدة:

لعبة أكثر رعُباً.

8.

في حديقةِ الحيوانات،

تأمّلتُ في النمرِ طويلاً

حتّى كلّمني فقال:

إنَّ حزنكَ يشبهني

لكنَّ أنيابه أكبر مِن أنيابي.

9.

استسلمتْ أحلامي البحريّةُ كلّها

للرماديّ المُوَسْوِس.

لم يبقَ منها إلّا القليل من الأحلامِ المُثمِرة،

فصرتُ أرقصُ معها في المرآة

رقصةَ البرابرة.

10.

في آخر مَرّةٍ راجعتُ ذاكرتي

قلتُ لها:

أريدُ أنْ أستبدلَ حياتي بشيءٍ آخر.

فضحكتْ وقالتْ :

للأسف، أنا لا أتعاملُ مع السفن الأثرية.

11.

حينَ رآني البحرُ مُنهاراً

قرّرَ أنْ يحكي لي عدداً من النكات.

كانت النكاتُ مُضحكةً حقّاً:

كنتُ كلّما أزددتُ ضحكاً

أزددتُ غرقاً.

 

12.

كانتْ حروفي أكثر شجاعة منّي.

ففي المشهدِ الأخير

جرّبتْ كلّها كأسَ السمّ

واستمتعتْ بمذاقِ الموت

قطرةً

قطرة.

13.

بعد أن انكسرت المرآة

اندلقَ البحرُ منها

ودخلت أسرارُهُ بهدوءٍ شديدٍ تارةً

وبغضبٍ عارمٍ تارةً أخرى

إلى شقّتي الصغيرةِ من تحتِ الباب

حتّى غرقتْ شقّتي تماماً.

حينها بكيتُ على نفْسي

لأنني لا أعرفُ السباحة

ولم أجرّبْ، من قبل، فنَّ العوم.

14.

لماذا كُتِبَ على صاحبِ المرآة

أنْ يحدّقَ كالمذهول

في جسدِ المرأةِ عارياً

ويبكي؟

15.

بعد أن انكسرت المرآة

خرجت المرأةُ عاريةً من الباب.

ودخلتْ إلى البحرِ

من ثقبِ ذاكرتي الراقصةِ فوقَ الجمر.

16.

لكنّ البحر لم يعد الليلةَ للبيت

إذ بِيعَ بعدَ مُزايدةٍ صوريّة.

وكُتِبَ على الناس

أن يتكلّموا بصوتٍ خفيضٍ عند الشاطئ

أو أنْ يستبدلوا كلماتهم بالإشارات،

وأن يتعرّوا ليلَ نهار

لأنّ العُري مُباحٌ وصحيٌّ ومَجانيّ

كما تقولُ نشرةُ أخبارِ البحرِ اليوميّة.

17.

حينَ انكسرت المرآة،

سألني قائدُ السرب:

لماذا تحاولُ الطيرانَ بشكلٍ منخفضٍ

حتّى أنّ طائرتكَ

تكاد تُلامس أسطحَ البيوت؟

لحظتها، تذكّرتُ أنني في طفولتي

كنتُ أصطادُ العقارب

في باحةِ البيتِ الخلفيّة.

فيما كانَ صديقُ طفولتي السعيد

يجمعُ الطوابعَ التي رُسِمَتْ عليها الفراشات.

18.

خرجت المرأةُ من المرآة

أو دخلتْ فيها.

لا يهمّ.

فالحياة تتكرّرُ كلّ يوم.

19.

لكثرةِ ما تأمّلتُ في المرآة

وفي البحرِ الذي اندلقَ منها

حاملاً شظايا الروح،

صرتُ أكتبُ قصائدي

بريشةٍ سقطتْ مِن غُرابِ نوح.

 

 

  

 

 

 

الكلُّ يرقص

 

 

1.

حينَ حملوا رأسَكَ على الرمح،

رقصَ الجندُ طرباً لذهبِ الخليفة.

ورقصت الملائكةُ ألماً

وهي تشاهدُ مِن عَلٍ

مشهدَ الرأسِ يخرجُ مِن المدنِ الخائنة.

2.

رقصَ الملك

وهو يرى رأسَ عدوّه يتدحرجُ على الأرض.

رقصَ ثُمَّ نثرَ دنانير الذهب

فجمعَها الناسُ مدهوشين.

3.

رقصَ البحر

وهو يستقبلُ سفينةً ملأى بجُثثِ الغرقى.

 

4.

رقصت الرصاصةُ وهي تصيبُ هدفَها المُستحيل.

5.

رقصَ اللصّ

وهو يعدُّ ما سرقَ مِن دراهم الغريبِ المسكين.

6.

رقصَ الفجر

بعدَ أنْ دفعَ بابَ الليلِ قليلاً

إلى النور.

7.

رقصَ الدود

حينَ سقطتْ عليهم فجأةً

بيضةُ الطائرِ مِن العِشّ.

8.

رقصَ ذيلُ الكلب،

حينَ رأى الكلبُ سيّدَه

بعد غياب سنين.

9.

حينَ صفعَها الموجُ الغاضبُ دونَ مناسبة،

رقصت السفينة

وتمايلتْ ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشمال.

10

رقصت الأرض

واهتزّتْ لحبّاتِ المطر

بعدَ طول جفاف.

11.

رقصتْ كفُّ الشحّاذِ الأعمى

وهي تتلمّسُ رغيفَ الخبزِ الحار.

12.

رقصَ الطفلُ ودمعتْ عيناه

حينَ رأى حذاءَ العيدِ الجديد.

13.

رقصت المرأةُ عاريةً أمامَ المرآة

فرقصت المرآةُ عاريةً معها.

14.

رقصَ الأسرى وهم يدخلون وطنَهم مِن جديد

وتلمّسوا بألمٍ

سلاسلَ أرقامهم المُعلّقة

على صدورِهم النحيلة.

15.

رقصت الأرقامُ في لعبةِ الحظّ

وكانَ الرقمُ الأخيرُ أكثرها رقصاً.

16.

حينَ حدثَ الانفجارُ المُرعِب،

رقصت الجُثث

وتساقطت الواحدة فوقَ الأخرى.

17.

رقصت المدينةُ السرّيّة

حينَ وصلَها الزائرُ المجهول.

18.

رقصَ الخونةُ الليلَ كلّه

وهم يتبادلون نخبَ الخيانة.

19.

حينَ وقعَ الزلزالُ في المقبرة،

رقصَ الموتى قليلاً

ثُمَّ عادوا إلى رقْدتِهم الأبديّةِ واجمين.

 

 

البحر صديقي

 

 

1.

اليومَ سأذهبُ إلى البحر.

2.

سأذهبُ إلى ساحله

وأمضي إلى نهايةِ الجسرِ المُمتدّ

في خاصرته السحريّة.

3.

سأجلسُ وحيداً بالطبع

منتظراً أنْ يقومَ مِن غفوته الأسطوريّة.

4.

سأصافحُه بشوقٍ ومَحبّة

وسألتقطُ معه صورةً تذكاريّة.

5.

سيكون معي واقفاً بملابسه المُدهِشة

وربّما سيرتدي البكّيني

على سبيلِ الضحكِ والقهقهة!

6.

سأحاولُ أثناء التصوير

أن أتلمّسَ لحيتَه البيضاءَ الطويلة

رغمَ أنّها مُبلّلة بالتأكيد.

7.

سأحاولُ أنْ أحدّثه

عن آلامِ الحُروفيّ الذي هو أنا.

8.

سأحاول،

فأنا متأكّدٌ أنّه لن يفهمَ هذه الآلام.

فهو لا يفهم في الحروبِ والدمِ والحصار،

لا يفهم في القتلِ والكراهيةِ والخيانة.

9.

البحرُ رجلٌ طيّبٌ ومُسالم.

10.

البحرُ رجلٌ طيّبٌ ومُسالمٌ حَدّ اللعنة.

11.

لكنّه يفهمُ في الغرقى.

12.

يفهمُ في جُثثِ الغرقى التي تنتشر

على جسدِه الهائل

حينَ تتحطّمُ مراكبُ اللاجئين الصدئة.

13.

يفهمُ آلامَهم،

وكثيراً ما يشاركهم الصراخَ الطويل،

والبكاءَ الأسْوَد،

والرعبَ الكونيّ.

14.

وأحياناً كانَ يحاولُ إنقاذَهم

فيرميهم

أو يرمي جُثثهم إلى ساحلِه الهائل

دونَ جدوى.

 

15.

سأحدّثُه عَن المطرِ الذي يحيطُ به أو بي،

عَن هلْوَسَاتِ الوحشةِ وصيحاتِ الدموع.

16.

سأحدّثُه عَن الزلازلِ التي تصيبنا معاً

كلّ سنةٍ مَرّةً أو مَرّتين

دونَ أنْ نموت

ودونَ أنْ ننجو.

17.

سأحدّثُه

عَن النساءِ العارياتِ اللواتي يفترشن

ساحلَه الكبير.

18.

سأحدّثُه، أيضاً،

عَن عشراتِ القصائد التي كتبتُها عنه.

وسأخبرهُ أنني وصفتُه

مَرّةً بالأبِ القاسي،

ومَرّةً بالمرأةِ المُطلّقة،

ومَرّةً بالشمسِ التي تغوص،

ومَرّةً بالجسدِ المَسحور،

ومَرّةً بالغريق،

ومَرّةً بالغريب،

ومَرّةً بالمجنون.

19.

سأحدّثُه طويلاً طويلاً

وسيصغي إليَّ بصبرٍ وهدوء.

نعم، فالبحرُ صديقي،

بل صديقي الوحيد.

  

 

 

 

ميم المشهد

 

 

1.

الشاعرُ كائنٌ تطيرُ الساعات

مِن بين يديه كالعصافير

في المشهدِ المسرحيّ العجيب.

ومعَ ذلك،

فهو يصرُّ على أنَّ الساعات

هي حروف كاذبة لشدّةِ جمالها،

وأنَّ العصافيرَ ترفرفُ

مهما كانَ الجوّ مُمطراً

أو مُرعِباً

أو مَليئاً بالدخان.

2.

لماذا تطلبُ مِن السين

أنْ تعطيكَ جواباً

وهي التي خُلِقَتْ كسؤالٍ أبديّ؟

ولماذا تطلبُ مِن الباء

أنْ تغادرَ نقطتَها الصاخبة

وتطرقَ بابَ قلبِكَ المثقوب؟

هذا هو سؤال المشهدِ المُكَرّر أبداً.

3.

كانَ المشهدُ عَصيّاً على التصديق:

أنْ تكونَ ملِكاً

وتحمل على رأسِكَ في حفلةِ التتويج

تاجاً مِن الشوكِ بدلاً مِن الذهب،

وتمسك صولجانَ الحروف

بدلاً مِن صولجان الكبرياء،

وتمشي على سجّادةٍ حمراء

مُلِئتْ بالجمر

مِن المهدِ إلى اللحد.

4.

كانَ المشهدُ سِحريّاً

فقد كانتْ حاشيتُك عجيبة:

الأمراءُ كانوا أشباحاً

والأميراتُ دونَ وجوه،

والضيوفُ كانوا أجساداً

ينمو منها الدخان.

5.

كانَ المشهدُ غريباً،

فكيفَ يُنَصَّبُ مَلِكٌ

كلّ ثروته صرّة ملابس مُمزَّقة

وكتاب حروفٍ مُطَلسَم

لا يفهمهُ أحدٌ سواه.

6.

كانَ المشهدُ مُمَسْرَحاً تماماً،

إذ كانَ على الملِكِ أنْ يغنّي

بدلاً مِن أنْ يصدرَ الأوامرَ الملكيّة،

ويدمدم بدلاً مِن أنْ يتكلّمَ بكلامٍ فصيح،

وأنْ يقرأ خطابَ العرش

لضيوفٍ مُصابين بالصممِ الأبديّ.

7.

الأغرب مِن ذلك،

أنّ خطابَ العرشِ لم يكنْ مكتوباً

فتوجّبَ على الملِكِ أنْ يرتجله فوراً

مُتحدّثاً :

عن المطرِ أم الحرب؟

عن المرأةِ أم الوهم؟

عن الذهبِ أم الرغيف؟

8.

لحُسنِ الحظّ،

تعلّمَ الملِكُ مِن صرّةِ ملابسه المُمزَّقة

أنْ يكونَ طيّباً مع الشحّاذين والمُشرَّدين،

وتعلّمَ مِن حاء حرمانه

أنْ يفهمَ لغةَ الطير،

وتعلّمَ مِن جيمِ جنونه

معنى الجريمةِ والجُثثِ والجحيم.

9.

لسوءِ الحظّ،

فإنَّ مخرجَ العرضِ المسرحيّ

اختفى بين الجمهور

وتركَ الملِكَ أو مَن يؤدّي دورَ الملِك

يمثّلُ على خشبةِ المسرح

إلى أنْ يموت.

نعم، اختفى.

لكنّهُ كانَ، أحياناً،

يقولُ: "نعم".

مُطلِقاً في الصالة

طائراً أبيضَ يخلبُ لبَّ الجمهور.

أو يقول : "لا".

مُرسِلاً سهماً ناريّاً

يصيبُ المُمثّل

بمزيدٍ مِن الألمِ والدموعِ والحريق.

10.

قالَ لي الملِك

أو مَن يمثّلُ دورَ الملِك:

كلّ شيء كانَ مسرحاً عابثاً.

لم أعدْ أتذكّر منه شيئاً

سوى نزولي مِن الدرج

مُشتعلاً بالرغبةِ والهلع.

11.

قالَ لي:

كانت المرأةُ مُسْتَعدّةً للرقصةِ الكبرى،

لكنّي لم أجسرْ أنْ أطلبَ منها

حتّى قُبْلة واحدة

لتخفّفَ من ألمِ حرماني الخرافيّ.

12.

هل كانت المرأةُ هي المَلِكة؟

أم الساحرة؟

أم علامة النحسِ والممنوع؟

أم الطلسم؟

أم الذاكرة المليئة بالثقوب؟

13.

هل كانت المرأةُ هي اللعنة؟

14.

الدرجُ طويل

والنزولُ مستمر

والتمسّكُ بالهدوء المُزيّف

أكثر مِن ضروري هنا.

15.

هل كانَ المشهدُ في قاعةِ العرش؟

أم في قاعةِ الرغبة؟

أم في قاعةِ العبث؟

أم في قاعةِ الموت؟

16.

لكنَّ الأرض زُلزِلَتْ

فركضَ الجميع

ومعهم الملِك أو مَن أدّى دورَ الملِك.

وبعد أنْ كادَ يموت مِن الرعب،

انتبهَ إلى أنَّ نهاية الزلزال

كانتْ سعيدة جدّاً!

17.

إذ امتلأت الأرضُ بأوراقٍ كُتِبَ عليها:

مَنفيٌّ،

مَقتولٌ،

مُعذَّبٌ،

مَجنون.

18.

التقطتُ ورقةً بسرعةِ البرق

لأعرفَ قَدَري

هل كنتُ المنفيّ،

أم المقتول،

أم المُعذَّب،

أم المَجنون؟

19.

أفنيتُ عمري،

في المشهدِ المسرحيّ العجيب،

وأنا أقرأُ ورقتي دونَ جدوى.

لأنَّ حروف الورقةِ كانتْ تشتعل

كلّما قرأتُها

فتفيضُ عيناي بالدمِ والدخان،

ويفيضُ قلبي بالدموع.

 

 

 

الموتى يرقصون عند الباب

 

 

1.

طرقَ الموتى بابي

عندَ الفجرِ عُراةً،

وبدوا كما لو كانوا أحياء.

2.

رفعَ أحدُهم يدَه اليمنى إلى الأعلى،

إلى الأعلى.

(ولا أعرفُ لماذا).

ثُمَّ رفعَ يدَه اليسرى إلى الأعلى،

إلى الأعلى.

(ولا أعرفُ لماذا).

كانَ عارياً تماماً

بوجهٍ غَطّاه التُراب.

3.

أخذَ يصالبُ ذراعيه مَرّةً،

مَرّتين،

ثلاثاً.

ويرفعُ قدميه الواحدة تلو الأخرى

بتناسقٍ وانسجام.

ثُمَّ مدَّ ذراعيه إلى الجانبين

كأنّه يريد الطيران.

4.

كتمتُ ضحكةً مُرعبةً في أعماقي.

5.

أصبحَ الراقصون ثلاثة.

لكنّ الأوّل رسمَ دائرةً فوقَ الأرض

ومنعَ الراقِصَين مِن الدخول

فصارا يقلّدان حركاته عَن بُعد.

6.

صارَ الراقصون خمسة.

كانوا رجالاً

ولم تكنْ معهم امرأةٌ أبداً،

فتنفّستُ الصُعداء.

7.

تنفّستُ الصُعداء.

فأنا أخافُ مِن رقصةِ النساءِ عندَ الفجر،

النساء القادمات مِن القبرِ عندَ الفجر.

8.

سأسمّي الراقصَ الأولَ بمَلِكِ الموتى.

9.

لم يزلْ مَلِكُ الموتى

يرقصُ رقصتَه الكبرى.

يداه العاريتان تتحرّكان إلى الأعلى والأسفل،

وقدماه ترتفعان وتنخفضان.

لكنّه أخذَ يستبدلُ كلّ دقيقة قناعاً:

مَرّةً يرتدي قناعَ هاملت

ومَرّةً قناعَ ماكبث

ومَرّةً قناعَ المَلِكِ الضِلّيل

ومَرّةً قناعَ ديكِ الجِنّ.

10.

سألتُ نفْسي:

أهم بشرٌ أم جِنّ؟

11.

فجأةً

ظهرَ أحدُ الموتى يحملُ طبلاً

وأخذَ يقرعُ عليه بقوّة.

كانَ الطبلُ كبيراً جدّاً

فصارَ الرقصُ أكثر رعباً.

12.

صارَ الرقصُ أكثر رعباً وَدَويّاً.

13.

احمرّتْ دائرةُ المَلِكِ الراقص

وتدفّقتْ مِنها قطراتُ الدم

لتشكّلَ ساقيةً حمراء.

14.

بكى الراقصون العُراة.

فتنهّدَ مَلِكُ الموتى بقوّة

وبكى معهم.

15.

فجأةً،

توقّفَ الكلُّ عن البكاء

وصفّقوا للمَلِكِ الراقص.

16.

هل كانوا مُعجبين برقصته؟

أم بشبابه؟

أم بجماله؟

17.

انحنى المَلِكُ الراقصُ لهم بوقار

وصفّقَ لحظات معهم.

18.

وصلَ الدمُ إلى بابي

فأغلقتُ البابَ بقوّة.

19.

لكنَّ الدم مرَّ إليَّ مِن تحتِ الباب.

ودوّي الطبلِ بَقي يتردّدُ في أذني

ليلَ نهار.

 

 

 

 

 

 

القصيدة الأنويّة

 

 

1.

صرخَ الطاغيةُ الأرعن

مُحَاطاً بحاشيته وجلّاديه وكلابه:

أنا

أنا

أنا.

فالتهبت الأيدي بالتصفيق،

واغرورقت العيونُ بالدموع،

وامتلأت الحناجرُ بالهتاف.

2.

صرخَ المطربُ المشهور

مُحَاطاً بالأضواء البرّاقة

وبفرقته الموسيقيّةِ العملاقة:

أنا.

فملأتْ معجباتُه المراهقاتُ القاعة

بالصفيرِ والصراخِ وصيحاتِ الإعجاب.

3.

صرخَ المجنونُ: أنا.

وَصَمت.

فضحكَ الناسُ طويلاً.

تركَ المجنونُ أناه تسقطُ فوقَ الأرض،

وبكى.

4.

قالَ الماضي:

أنا أسكنُ في الماضي أبداً

فكيفَ لي أنْ أعرفَ: مَن أنا؟

5.

قالَ الحاضر:

أنا ساعاتٌ

تتناثرُ هذي اللحظة في الريح.

مَن يجمعها لي كي أعرفني.

 

6.

قالَ المستقبلُ: أنا لا أنا لي.

لأنّي لم أزلْ

في كهفِ الغيب.

7.

قالت الزهرةُ: أنا.

فضحكتْ مِنها النحلة.

8.

قالت الكأس:

أنا الخمرةُ أو السمّ،

أيّهما أقرب مِن شفتي.

9.

قالَ الحرفُ: أناي النقطة،

فهل سألت النقطةُ: مَن أنا؟

10.

قالَ السرُّ: أنا السين

لكنْ ما مِن راءٍ لي.

11.

في خاتمةِ رسالةِ حُبٍّ

طارتْ في الريح،

خاطبَ العاشقُ معشوقتَه:

يا أنا...................ي.

12.

قالت الريح:

أناي لا اسم لها ولا عنوان

ولا حتّى ذكرى.

13.

قالَ غرابُ نوح: أنا.

وتركَ السفينةَ في موجٍ مُتلاطم

والناسَ في هَلَعٍ مُتلاطم.

ضحكَ قليلاً،

وصفّقَ بجناحيه طويلاً،

وحلّقَ فوقَ الطوفان.

 

14.

قالتْ حمامةُ نوح: أنا

حلمٌ يمتدُّ إلى ما شاءَ الله.

وعادتْ بغصنِ أنا الزيتون،

أي عادتْ بغصنِ أنا الماء.

15.

قالَ إخوةُ يوسف: إنّا نحن، إنّا أنا.

وألقوا يوسفَ في البئر،

ومضوا لأبيهم بدمٍ كَذِبٍ.

فبكى يعقوبُ أناه

حتّى ابيضّتْ عيناه.

16.

بعد رحلته الكبرى،

قالَ كلكامش

وهو يمسكُ عشبةَ الخلودِ: أنا.

نعسَ فنام.

فاقتنصت الأفعى الفرصة

وسرقتْ مِنه أناه.

17.

قالَ الحلّاج: أنا هو وهو أنا.

ومحبّتُه سرّي الممتدّ

مِن أقصى الكونِ إلى أقصاه.

18.

قالَ الدهرُ: أنا.

لم يسمعه أحدٌ أبداً.

لكنَّ صدى صوته

ظلّ يتردّدُ في كلّ مكان

إلى ما شاءَ الله.

19.

قالَ الموتُ: أنا.

فامتلأت الأرضُ بجُثثِ الناس.

 

 

 

 

قاب قوسين

 

 

1.

يا لسعدك

وأنتَ مِنهُ قابَ قوسين أو أدنى.

2.

يا لسعدك

وأنتَ عند مَن يقولُ للشيء: كنْ فيكون.

3.

يا لسعدك

وأنتَ عند مَن أضحكَ وأبكى،

وأماتَ وأحيا،

وخلقَ الزوجين: الذكرَ والأنثى.

4.

يا لبُشراك

وأنتَ في السماواتِ العُلى

عند سدرةِ المُنتهى.

5.

 يا لبُشراك

وأنتَ ترى الكافَ سرّاً فَسرّاً.

6.

يا لبُشراك

وأنتَ ترى النونَ حَمْداً فحَمْداً.

7.

يا لمجدك

إذ مُنحْتَ خمس نجماتٍ مِن الطمأنينة،

خمس صاداتٍ مِن الصلوات.

8.

يا لمجدك

إذ صارتْ ميمُكَ شفاءً لما في القلوب.

9.

صارتْ ميمُكَ لغةً لدمعِ المُحبّين.

10.

صارتْ ميمُكَ رداءً لصرخةِ المظلومين.

11.

صارتْ ميمُكَ وطناً للعاشقين.

12.

ميمُكَ لم تكنْ وهماً.

13.

ميمُكَ جَنّةُ الرحمن.

14.

ميمُكَ جَنّةُ المأوى.

15.

وحاؤكَ صارتْ وحياً يوحى.

16.

 يا لسعدك

والملائكةُ تحفُّ به وبك.

17.

يا للطفك

وأنتَ تحيّي إبراهيمَ وإدريس

وموسى وعيسى

منتقلاً مِن سماء إلى أخرى.

18.

يا للطفك

وأنتَ تنزلُ مِن سدرةِ المُنتهى

رحمةً للعالمين.

19.

يا لمجدك

وأنتَ تنطقُ الكاف

ليكونَ الكاف قلبك،

وأنتَ تنطقُ النون

فتكون النون نبضة قلبك.

 

 

 

 

 

 

 

قصيدة السيرك

 

 

1.

سيحلفون لكَ جميعاً أنَّ اسمها الحياة

وما هي إلّا حفلة مُهرّجين،

ما هي إلّا سيرك عظيم.

2.

سيقسمُ لكَ الملكُ الدونجوان

بتاجه وعرشه وصولجانه

أنَّ اسمها الحياة،

وهو يخونُ كلَّ ليلةٍ ملِكتَه الجميلة

ويسرقُ قوتَ شعبِه النائم في العسل.

3.

وسيصرُّ على أنَّ اسمها الحياة،

الطاغيةُ الأرعن.

وهو يدري أو لا يدري

أنَّ الحياةَ عنده الكُرسيّ،

الكُرسيّ المُحاط بالقتَلَةِ والجَلّادين والكلاب،

الكُرسيّ الذي تقومُ أرجلُه

على مربعِ السجنِ والرعبِ والموتِ والظلام.

4.

وسيقسمُ لكَ شاعرُ الأكاذيب

أنَّ اسمها الحياة.

الشاعرُ الذي امتلأتْ جيوبه

بقصائد المديحِ والترّهات

وَرُزَمِ الدولارات.

سيقسمُ لكَ وهو يبكي بحُرقةٍ

كي تصدّقَ ما يقول.

5.

سيقسمُ لك، أيضاً، الشاعرُ الكُحوليّ،

الشاعرُ الذي يدعوكَ بكَرَمٍ حاتميّ

لتشاركه كأسَ الخمرةِ في كأسِ القصيدة.

وستتقطّعُ ألماً حينَ تراه

ذاتَ صباح

جُثّةً مَرميّةً على الرصيف

ملأى بالدمِ والكحول.

6.

آ...

لقد قرأَ لكَ ذاتَ ليلة

قصيدةً هائلةً عن النجمة

وأخرى عن جمرةِ المَحبّة.

7.

لا النجمة زارته في غيبوبةِ الخمر،

ولا المحبّة طرقتْ عليه الباب

- ولو عن طريقِ الخطأ-

في وحشته الأزليّة.

8.

وسيصرُّ على أنَّ اسمها الحياة،

الناقدُ الذي يقيسُ كلَّ شيء بالمسطرة

وهو لا يدري أنَّ مسطرته،

في عالمنِا السحريّ،

تقصرُ أو تطولُ كلّ يوم.

9.

وسيَصرُّ كذلك،

الناقدُ الذي مسخه فرويد أو ماركس

ثمَّ أطلقَ دوستويفسكي عليه النار

في إحدى رواياته الخطيرة

أو اضطرَ إلى إخلاء سبيله معه

بعد عفو القيصر المُفاجئ.

10.

وستصرُّ على أنَّ اسمها الحياة،

العروسُ الصغيرةُ التي امتلأَ قلبها

بالحُبّ

ولم تنتظرْ لتزيح الستارَ قليلاً

كي ترى ما يُخفي لها الدهر

مِن زلازل وكوابيس.

11.

وستصرُّ على أنَّ اسمها الحياة،

الصبيّةُ المُراهقة

وهي ثملة بجسدِها البضّ.

لكنّها ما أنْ تكتشفَ الحقيقة

حتّى تسارع لتمارسَ دورَها المُخيف

في السيركِ دونَ احتجاج.

12.

وسيصرُّ على أنَّ اسمها الحياة،

الصبيُّ المحروم

وهو يحملُ صرّةَ ملابسه

هارباً باتجاهِ مدينة الأحلام

ليضيعَ مرّةً، مرّتين، ثلاثاً

حتّى يملّ مِن الضياع

ويملّ الضياعُ مِنه.

13.

ولذا سيجلسُ ذاتَ مساء

ليتركَ قدميه تغرقان في الفرات

وجسده يغرقُ في دجلة

وقلبه يغرقُ في البحرِ العظيم.

14.

وسيصرُّ على أنَّ اسمها الحياة،

العجوزُ المنفيّ.

لكنّه سيرتبكُ كلَّ ليلة

وهو يرى حاء الحياة

تتخاذلُ أمامَ نون النفي،

فيهرعُ إلى كأسِ الخمرة

أو كأسِ الدموع

أو كأسِ الهذيان.

15.

وسيصرُّ على أنَّ اسمها الحياة،

الساحرُ المُشَعْوِذ.

لكنّه سيرتعبُ حينَ يحيط به الجِنّ

على حين غرّةٍ

ليجعلوا دورَه في السيرك

دورَ المجنونِ الأزليّ.

16.

وسيصرُّ على أنَّ اسمها الحياة،

المغامرُ البهلوان.

لكنّه سيبكي دماً

حينَ تتلقّفه قضبانُ السجون،

وتعدّ له، مِن ثمَّ،

دوراً ممتعاً في السيرك

مع القرَدَة والكلاب.

17.

وسيصرُّ على أنَّ اسمها الحياة،

الصوفيّ الذي يقولُ:

أنا هو وهو أنا.

لكنّه سيصرخُ صرخةَ الكون

حينَ يرى جسده يُحْرَقُ

ورماده يُذرُّ في الريح.

18.

وسيصرُّ على أنَّ اسمها الحياة،

شاعرُ الحرف.

لكنّه سرعانَ ما يكتشفُ المأساة

حينَ تتركه حاءُ الحُبّ

جسداً طافياً ليلَ نهار

فوقَ بحرِ الظلمات،

وتنزلُ إليه الباءُ مِن سُلّمِ القَدَر

عاريةً وهي تخفي ابتسامتَها الساخرة.

19.

حينها سيكتبُ قصيدةَ السيرك

بعينين دامعتين،

وقلبٍ يتطلّعُ عبثاً

إلى نافذةِ الحياة.

 

سينُ العظامِ والحُطام

 

 

1.

رأيتُكِ، فجأةً، في أعلى الشجرة.

ما كنتِ حمامة ولا بيضة ولا زهرة،

بل كنتِ امرأة.

فدهشتُ لجمالِكِ المُطَلسَم،

ونزلتُ أجرُّ خطاي بوقارٍ رماديّ

على الدرجِ المرسومِ على الشجرة.

2.

اسمُكِ السين

وهو السرّ،

وهو الموتُ السرّيّ،

وهو سينُ مَن لا سين له

إلّا الجنون.

3.

يتكرّرُ اللحنُ القديم

في صوتِ امرأةٍ لا تصلحُ للغناء

لكنّها تغنّي أبداً،

في غدرِ امرأةٍ سفحتْ دمي ودمَ الفرات،

في طفولةِ امرأةٍ غرقتْ بلغةِ الماء،

في طعنةِ امرأةٍ أبدلت السينَ بالشين،

في قَدَرِ امرأةٍ زُلزِلَتْ حتّى رأت الله.

4.

تشبهين الحمامةَ أنتِ.

(كلُّ امرأةٍ تشبهُ الحمامة).

تشبهين البيضةَ أنتِ.

(كلُّ امرأةٍ تشبهُ البيضة).

وتشبهين المرأةَ أنتِ.

(أنتِ امرأةٌ فكيفَ لا تشبهين نفْسك؟)

5.

وأينَ هي نَفْسك؟

6.

نفْسُكِ ضاعتْ ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشمال.

ضاعتْ في بلْبَلَةِ بابل

وزلزلةِ بغداد

وثلجِ أمستردام

ووحشةِ برلين

وليلِ سدني الطويل.

7.

وحينَ أعطيتُكِ شيئاً مِن السين،

أشرتِ عليَّ بأنْ أزرعها في أرضٍ قاحلة

أو أرضٍ ذات عظام

أو أرضٍ ذات حُطام.

8.

لم أكنْ شجاعاً بما يكفي

لأنفّذَ إشارتَكِ الكبرى.

9.

خفتُ مِن دخولِ أرضِ العظام،

وخفتُ مِن دخولِ أرضِ الحُطام،

فآثرتُ سهولَ النسيان.

10.

كيفَ يدخلُ إلى أرضِ الحُطام

مَن كانَ حُطاماً؟

11.

وكيفَ يدخلُ إلى أرضِ العظام

مَن يرى الموتَ في كلّ حين وآن؟

12.

وكيفَ لا أختارُ سينَ النسيان

بعد أنْ شربتُ سينَ السمِّ كأساً

عاماً فعاماً؟

13.

أينَ هو الحلّ يا سين العظامِ والحُطام؟

14.

أستعيدُ المشهدَ الآن،

أكرّرهُ دائماً،

وأضيفُ إليه نقاطاً جديدة

حتّى يصبح شديدَ الوضوح،

شديدَ البهجة.

15.

الاستعادةُ تتمُّ تسعة عشر حرفاً.
16.

هي ذي تتمُّ ببطء،

وتُضافُ إليها عبارات الحُبّ

وكلمات السرير

ووشم السحر

وراء الخرير.

17.

قد أضيفُ إلى المشهد

مُمثّلين ثانويين ومُهرّجين صغار،

وأرسمُ في أعلى الشجرة

نساء مثلكِ على هيئةِ طيور.

18.

أكرّرُ المشهدَ حتّى أتحرّر مِن سجني

وأكتبه حتّى أحطّم قضبانَه التي حطّمتني.

19.

أكرّرُ المشهدَ وأضيفُ إليه ما أشاء.

ثمَّ أُهَلْوِسهُ في آخر الأمرِ حرفاً

حتّى يصبحَ ومضةً لا تسرّ سواي.

 

 

 

 

 

تناقضات

 

 

1.

استعانَ المشنوقُ بحبلِ المشنقة

خوفاً مِن الجَلّاد.

2.

استعانَ الغرقى بأسماكِ القرش

خوفاً مِن البحر.

3.

استعانَ الطاغيةُ بشبيهه

خوفاً مِن نفْسه.

4.

استعانَ القبرُ بجُثّةِ الميّت

خوفاً مِن الزلزال.

5.

استعانَ النهرُ بالسدّ

خوفاً مِن الأسماكِ الغريبة.

6.

استعانَ الليلُ بالفجر

لينجو مِن الفضيحة.

7.

استعانَ شاعرُ الملكِ بحذاءِ الملك

ليأخذَ لنفْسه صورةً شخصيّة.

8.

استعانَ البخيلُ بأكاذيبه

ليصدّقَ نفْسه.

9.

استعانت المرآةُ بالمرأة

لتقضي على وحْدتِها.

10.

استعانَ الأَرَقُ بالقلق

لينام.

11.

استعانَ الأميرُ بالمُهرّج

ليبني له مَجْداً.

12.

استعانت الذاكرةُ بالهلْوَسَات

لتنسجمَ مع خرابها الهائل.

13.

استعانَ الساحرُ بعظامِ الموتى

ليُحيي السريرَ البارد.

14.

استعانتْ شوارعُ الليلِ بخُطى المُشرّدين

لتحافظَ على ذاكرتِها.

15.

استعانَ الشاعرُ صاحبُ الأقنعة

بوجهه الحقيقيّ

وهو يواجهُ عزرائيل.

16.

استعانَ القردُ بالحمار

خوفاً مِن الضياعِ في الغابة.

17.

استعانت الخيانةُ بالتُرّهات

خوفاً مِن الحقيقة.

18.

استعانَ الدمُ بالسمّ

خوفاً مِن النزيف.

19.

استعانَ القتيلُ بقاتله

خوفاً مِن الخوف.

 

 

 

 

   

قصيدة اللقلق

 

 

1.

أردتُ أنْ أكتبَ قافاً

فكتبتُ- بما يشبه الخطأ- لقلقاً.

ضحكتُ، ونمتُ

طفلاً سعيداً يحلمُ باللقالق.

2.

في الصباح

قرأتُ ما قد كتبتُ

لصديقي الساخر، فقال:

أيّةُ لقالق؟

ما مِن لقالق هنا!

3.

قلتُ لنفسي: نعم، أيّةُ لقالق؟

ما مِن لقالق في المدينة.

هذه المدينة مدينة الغربانِ بامتياز!

4.

آ...

كيفَ حلمتُ باللقلق؟

وكيفَ قادني القافُ إلى اللقلق

أنا الراكضُ أبد الدهر وراءَ خيط الشمس؟

5.

أنا الراكضُ وراءَ خيط الشمس

منذ صباي أُسْجَنُ في حلمِ اللقلق.

ربّما لأنني كثير الجلوس إلى النافذة.

6.

ماذا في النافذة؟

7.

صِبيان يلعبون الكرة.

8.

ربّما هناك عيد!

ألا ترى الصِبيان يرتدون جميلَ الملابس

ويتقافزون في الشارعِ مُبتهجين؟

9.

إذن، فهو العيد أيّها اللقلق!

إنّها الشمس أيّها اللقلق اللغز!

10.

حملتُ صرّةَ ملابسي

وركضتُ نحو الشمس.

وكانتْ ركضتي هذه

بداية جنوني الذي عجزَ عن شفائه

كلُّ شيء!

11.

ركضتُ،

كانَ قلبي يرقصُ وأنا في الباصِ الخشبيّ.

فالشمسُ تنزلُ ذهبيةً مِن نافذةِ الباص

لتملأني

وتملأ الدنيا كلّها

بسينِ السرور.

 

12.

ها هي شمسُكَ العظمى يا إلهي!

13.

لا تفرحْ كثيراً أيّها الباحثُ عن اللقالق!

14.

أولئكَ الذين هربتَ إليهم،

هربتَ مِن أجلِ محبّتهم،

سيلقون بكَ عَمّا قليل في النهر.

15.

أعني سيلقون بجُثّتِكَ عَمّا قليل في النهر!

16.

يا لها مِن مفاجأةٍ رائعة!

17.

أينَ صرّة مَلابسكَ أيّها الصبيُّ الغريب؟

18.

لكنّكَ اكتهلتَ ولم تعدْ صبيّاً ولا شابّاً،

فخذْ ملابسَكَ ثانيةً وثالثةً ورابعة.

واذهبْ إلى جحيمكَ المُفدّى!

اذهبْ إلى جحيمكَ الباذخ!

اذهبْ إلى جحيمكَ العظيم!

19.

ينبغي أنْ أتوقّفَ حالاً عَن هذا الهذيان

لأنَّ لقالق الوهمِ غادرتني

الواحد تلو الآخر،

وتركتْ لي شيئاً مِن الريش

سأريه لمَن ينكر عليَّ وجود اللقالق

في مدينتي:

مدينة الغربان بامتياز!

 

 

 

 

  

 

صلاة صوفيّة

 

 

1.

قلتُ: أعطني خوفاً مِن دونِ رجاء.

فوضعَ في يدي حرفاً مِن دونِ نقطة.

2.

ثُمَّ خلقَ لي نهراً مِن دونِ ماء.

3.

ثُمَّ رسمَ لي شمساً مِن دونِ ضياء.

4.

ثُمَّ صوّرَ لي قلباً مِن دونِ دم.

5.

ثُمَّ أعطاني وجهاً مِن دونِ عينين.

6.

ثُمَّ منحني وطناً مِن دونِ هواء.

7.

ثُمَّ قرأَ عليَّ كتاباً

لم يُذكَر اسمهُ عليه.

8.

فبكيتُ.

9.

قلتُ: أعطني رجاءً مِن دونِ خوف.

10.

فأراني صلاةً مِن دونِ دمع.

11.

وكتبَ لي لوحاً مِن دونِ بدايةٍ ولا نهاية.

12.

ومَنحَني كُرسيّاً مِن دونِ قوائم.

13.

وسقاني كأساً مِن دونِ خمرة.

14.

وأعطاني ذهباً مِن دونِ بريق.

15.

وأنزلَني بيتاً مِن دونِ شُبّاك.

16.

وَسَتَرني مِن الناسِ ولم يسترني مِن نفْسي.

17.

فارتبكتُ حتّى...................      

18.

متُّ.

19.

ثُمَّ هتفَ بي

فنطقَ قلبي باسمه.

 

  

 

 

 

رقصة ملعونة

 

 

1.

حينَ يبدأُ التعرّي

يصرخُ الجميع

في طلبِ المزيد.

2.

كانَ جسدُها شمس شهوةٍ ساطعة.

3.

كانَ جسدُها حاء مِن النار

والباء تلاحقُها لتلامسَها دونَ جدوى.

4.

كلُّ الحروفِ كانتْ تلاحقُ الجسدَ العاري

وهو يمارسُ رقصتَه الهائلة.

كانت الحاءُ ترقصُ إذن!

فاقتربَ مِنها الحرفُ الذي خرجَ مِنها،

والحرفُ الذي ذُهِلَ بها،

والحرفُ الذي جُنَّ بها.

لم تكن الحاءُ لتأبه.

كانتْ تمارسُ رقصتَها الكبرى

والحروفُ مِن حولِها تشتعل.

5.

صفّق الجمهورُ الأبلهُ للعرضِ طويلاً

وكتمَ رغباته الوحشيّة

في هدوء مُزيّف.

6.

العُري قرينُ الموتِ الأكيد،

لكنّه حينَ يبدأ يشتعل بالحياة

وتشتعل الحياة معه.

7.

يا له مِن فخّ!

كلّنا نُجنُّ بهِ وبلعنته الأبديّة.

8.

احتجَّ أحدُهم على مشهدِ التعرّي.

فردَّ عليه صاحبُ المسرحِ بهدوء:

إنّكَ تنظرُ إلى الجسد

دونَ أنْ تنتبه إلى الرقصة!

9.

لا معنى لأيّ شيء

فالعُري مَوتٌ مكتوبٌ بحرفِ الحياة.

10.

لا معنى للرقصة،

فالراقصة ألهبت المسرح

وأشعلتْ أجسادَ الجمهورِ ووساوسهم المُرّة.

11.

كيفَ سيقضون ليلتهم

بعد هذا العرض الجنونيّ؟

12.

اشتدَّ تصفيقُ الجمهورِ للتعرّي

وهو يزدادُ أكثر فأكثر.

13.

كانَ نفاقُ الجمهورِ المُتحضّرِ مُلوّناً

بألوان قوس قزح!

14.

سأعودُ إلى الشُبّاكِ : شُبّاك القلب

لا لأفتحه

بل لأغلقه بالمسامير والخشب.

وماذا عن الذاكرة؟

أظنُّ أنَّ رمي الرصاص

سينقذها مِن الكارثة!

15.

هل سأفتحُ الباب؟

لا!

عَن أيّ بابٍ تتكلّم؟

الباب الذي يخرجُ مِنه الجسد

عارياً تماماً.

16.

توقّفَ كلُّ شيء

وامتلأَ جسدُ الراقصةِ ووجهُها

بحبّاتِ العرقِ والزهوِ والخيلاء.

17.

كيفَ ستنامُ الراقصةُ الليلة

بعد أنْ أشعلتْ هذا الحريق الأسطوريّ؟

18.

أظنّها ستنامُ بهدوء

فقد أجهدَ جسدَها الرقصُ والتعرّي.

بعدَ أنْ أشعلت الغابةَ بالنار

وسمعتْ صوتَ الأشجار

وهي تتهاوى

الواحدة تلو الأخرى.

لكنّها لم تكنْ تعرف،

بالضبطِ، ما قد حدث.

لأنّها لم تحترقْ

كما احترقت الأشجارُ وتهاوتْ إلى الأرض.

19.

آ...

هي لا تعرفُ معنى الحريق!

هي لا تعرفُ معناه أبداً!

هي لا تعرفُ معنى العُري أبداً!

هي لا تعرف...

هي................... اللعنة!

 

 

 

                           تكرار

 

 

1.

أردتُ أنْ أحتمي بكهفكِ الأسْوَد

فاكتشفتُ أنّه قطعة قماشٍ بلهاء

تطيرُ في مَهبِّ الريح.

2.

أردتُ أنْ أغنّي أغنيتَكِ:

أغنية البراءةِ الأولى،

فاكتشفتُ أنَّ الأغنيةَ قصيرة جدّاً

ولا تصلحُ لأيّ مقامٍ كان.

3.

أردتُ أنْ أتكلّمَ معكِ عَن أرجوحةِ العيد

فسقطتْ مِن يدي

دراهمُ العيدِ السبعة،

وبقيتُ في العاصمةِ الكلكامشية

طفلاً ضائعاً أتلفّتُ أبدَ الدهر.

4.

أردتُ أنْ ألعبَ معكِ لعبةَ الماء

فاكتشفتُ أنَّ جسدكِ قابلٌ للغرق

عند أوّل خطأ.

5.

أردتُ أنْ أقودَ غيمتيكِ العجيبتين

فاكتشفتُ أنّ المطرَ محبوسٌ بينهما

وأنّ صَلاته هي الدمع لا الشِعْر.

6.

أردتُ أنْ أهنّئكِ

على رسومِكِ العاريةِ التي مَلأتْ ذاكرتي

فاكتشفتُ هشاشتَكِ الروحيّة

وعبثَكِ الأعظم.

7.

أردتُ أنْ أقبّلَ شفتيكِ ذاتَ حلم

فأطلقتِ عليَّ ثعالبكِ وذئابكِ وكلابك

كي تنهشَ حرفي ونقطتي دونَ رحمة.

8.

أردتُ أنْ أحيّي بستانَ جسدِكِ الملآن

بالتُفّاحِ والعنبِ والرُمّان

فأخبرتِني أنَّ الثمارَ مسمومة

وأنَّ أرضكِ على وشكِ الزلزال.

9.

أردتُ أنْ أمدحَ نونَكِ ذاتَ جنون

فقلتِ لي بهدوءِ السحَرَةِ وشعْوَذَتِهم:

إنَّ النونَ لا نقطة فيها.

10.

أردتُ أنْ أكتشفَكِ على التلّ

فاكتشفتُ أنّك تحبيّن الوادي وثعابينه فقط.

11.

أردتُ أنْ أمشي معكِ على شاطئ البحر،

فرميتِ البحرَ بحصاة،

فردَّ عليَّ البحر

بموجةٍ عظيمةٍ مِن الكراهية.

12.

أردتُ أنْ أحيّيكِ وأنتِ في أوّل الفجر

فلم تَردّي تحيّتي،

وكادتْ نافذةُ اليومِ كلّه

تسقط على رأسي.

13.

أردتُ أنْ أقبّلكِ ذاتَ حياة

فالتفتِ بلا مبالاةٍ إلى حائطِ الموتى.

14.

أردتُ أن أدعوكِ إلى المائدة

فأشرتِ بغرورٍ إلى كُرسيّكِ الفارغ

وكأسكِ الفارغة

وفراغكِ الفارغ.

15.

أردتُ أنْ أنتقدَ قسوتَكِ المُدهشة

ففتحتِ لي بابَ السجن

وناديتِ على السجّان.

16.

أردتُ أنْ أتلمّسَ خصلات شَعْرِكِ المُثيرة

فأشرتِ إلى عذابِ آياتكِ التسع.

17.

أردتُ أنْ اشربَ مِن كأسكِ المُذهلة

فأشرتِ إلى الصحراء،

ومِن خلف الصحراء

أشرتِ إلى النار.

18.

أردتُ أنْ أرقصَ تحتَ شمسكِ الهائلة

كآخر أمنيّةٍ لي قبلَ أنْ أموت،

فقلتِ: إنَّ الرقصَ مُحَرّمٌ

حتّى على الصوفيّ.

19

أردتُ أنْ أحدّثَكِ ذاتَ حياة

عن مركبِ نوح

فاكتشفتُ أنّكِ قد طرتِ مع الغُراب

ولم ترجعي أبداً.

 

 

 

 

 

 

 

سيرة ذاتيّة.... التفاصيل

أديب كمال الدين

 

 

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية

All rights reserved

جميع الحقوق محفوظة

Home