الوقوف بخشوع أمام الحرف

قراءة في مجموعة (مواقف الألِف) للشاعر أديب كمال الدين

 

هادي الحسيني / أوسلو

 

 

يواصل الشاعر أديب كمال الدين تألقه المستمر وهو يستنطق حروف لغتنا العربية بقصائده وكتبه المفعمة بالشعر ودهشته التي خفق بريقها في السنوات الماضية لأسباب عدة منها استسهال البعض للكتابة الشعرية والتي هي أصعب انواع الكتابة لِما تحتاج من موهبة عالية وصفاء داخل الروح ، إلا ان شعراء بحجم أديب كمال الدين تمكنوا بنصوصهم العالية بجودتها من خلال طروحاتها الشيقة وهي تعيد هيبة لغتنا العربية وهيبة الشعر العراقي إلى مكانته المعروفة منذ قرون طويلة من الزمن وهو السبّاق في ثورات الشكل والمضمون واخذ على عاتقه تطور الشعر العربي.

في مجموعته (مواقف الألِف) والصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون في عام 2012 . الشاعر يسحب القارئ إلى مناطق صوفية بحته وتضمينات من نصوص قرآنية ومن ثم يستعير جملة البدء من النفري ومن دم الشاعر جُملة المنتهى. ففي مفتتح مواقف الألِف يؤكد الشاعر أديب كمال الدين في قصائده على عوامل أساسية داخل نصوصه، فوحدة القصيدة وعدم دخولها في متاهات بعيدة وكذلك جملته الرشيقة التي يطوع بمهارة واضحة حروف لغتنا العربية كما يشاء، ليشكل منها بارقات جمال تنثال على قلوب القراء بروح الشاعر التي تتعالى فيها قوة صوره الشعرية وهي تشبه الفراشات حين تلقح ورود الحدائق ومن ثم ترسل تلك الورود عطرها .في صفحة 11 يقول الشاعر في مفتتحه :

 

اقتَبسَتُ مِن النِّفَّريّ جُملةَ البَدْء

ومِن دمي جُملةَ المُنتهى.

وما بين الجُملتين

بعينين دامعتين

وقلبٍ يشبهُ شجرةَ الأمل

كتبتُ كتاباً في مدحِ ملكِ الملوك،

ذاك الذي يقولُ للشيء كُنْ فيكون،

سَمّيتُه: لوعة عابرِ سبيل.

ثُمَّ عُدتُ فَسمّيتُه:

نقطة شوقٍ وحرف أنين.

ثُمَّ تأمّلتُ سبعين مَرّة

في سنّارةِ السِّنين،

تأمّلتُ مثل صيّاد

اصطادَ سمكةً في بطنِها ليرة ذهب،

لأُسمّيه: مواقف الألِف

في اقتفاءِ أثرِ التائبين والتائهين والعاشقين.

 

ويبدأ الشاعر بمواقفه التي تكونت من 54 قصيدة، يسبقها مفتتح على شكل قصيدة وقبلهما يذكر آيتين من الذكر الحكيم الأولى آية 35 من سورة النور، والثانية الآية 84 من سورة يوسف.

في القصيدة الأولى: موقف الألِف يقول الشاعر أديب كمال الدين ص12 :

 

­أوقَفَني في موقفِ الألِف

وقال: الألِفُ حبيبي.

إن تقدّمتَ حرفاً،

وأنتَ حرفٌ،

تقدّمتُ منكَ أبجديةً

وقدتُكَ إلى أبجديةٍ من نور.

وقال: سَيُسمّونكَ "الحُروفيّ".

فَتَبصّرْ،

فالليلُ طويلٌ والراقصون كُثر،

وهم أهلُ الدُّنيا وأنتَ مِن أهلي.

فكيفَ سيكون بَصَرُك؟

وكيفَ ستكون بَصيرتُك؟

وكيفَ ستختار نجمَك،

وأنتَ لستَ ممَّن يقرأ الشَّمس

أو طالعَ الشَّمس

ولا بالذي يقتفي أثرَ القافلة

بحثاً عن الذهب،

ولا بالذي يقودُ الشِّراعَ في البحر

بحثاً عن الجزيرةِ المفقودة؟

 

الحرف يتألق في كل جملة من القصيدة والصور الشعرية تبرز واضحة للعيان يرافقها رشاقة اللغة التي يكتب فيها الشاعر .. ومن موقف الألِف إلى موقف الخطأ ثم موقف الرحيل وموقف المهد وموقف الظلام وموقف الوحشة والصبر والشوق والاسم، وصولا إلى موقف الحرف ص 30 والذي يؤكد فيه شاعرنا أديب كمال الدين على أن عائدية الحرف ومالكه الأصلي هو الله سبحانه وتعالى الذي هو مالك كل شيء في هذا الكون فيقول:

 

أوقَفَني في موقفِ الحرف

وقالَ: الحرفُ حرفي والنُّقطةُ نقطتي.

فكيفَ لكَ أن تفهمَ سرَّ خُلودي

وأنتَ الذي يحملُ الموت

في نبضةِ القلب؟

وكيفَ لكَ أن تتجلّى في ملكوتي

وأنتَ الذي يبكي على جرعةِ ماءٍ

ورغيفِ خبز؟

وقالَ: الحرفُ حرفي

ستجدهُ في كهيعص

وألم وطه ويس وق ون.

 

وهنا جاء ذكر كهيعص الذي ورد في سورة مريم وهي سورة مكية النزول ، وقد روى محمد بن اسحاق في السيرة النبوية من حديث لأم سلمى وأحمد بن حنبل عن أبن مسعود في قصة الهجرة إلى الحبشة من مكة أن جعفر بن أبي طالب قد قرأ صدر هذه السورة على النجاشي وأصحابه عندما بعث المشركون إلى النجاشي رجلين فكان مما ذكرا للنجاشي بأن يسألهما عن المسيح عليه السلام فقرأ عليه جعفر :

بسم الله الرحمن الرحيم

( كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا)  سورة مريم 1-6

الشاعر في نزعته الصوفية هذه يستحضر العديد مما عُرف بالحروف المقطعة التي بدأت بها بعض سور القرآن مثل: ألم ، طه ، يس . ويتم تجريد الشاعر من لقبه الشعري الذي اكتسبه منذ سنوات طويلة: (الحروفي). محاكمة شعرية رائعة في موقف الحرف ينصت فيها الشاعر إلى الذات الإلهية موضحا له كل الأشياء، وينصت بروح الشاعر المتسامحة .

 

 

الشعر بحروفه يبتسم لموقف الألف ويبهر قارئه .

***********************************

ثم يكتب الشاعر أديب كمال الدين عن مواقف عديدة مثل الحيرة وموقف الغربة وموقف النون وموقف الكلام والجسد والروح والحلم وموقف نوح وابراهيم ويعقوب والخضر وعيسى والمصطفى وموقف علي وكربلاء ودعاء كُميل وموقف الخوف والعزة والأين والكتابة والباب والمطر والماء والغرق والطائر والسجدة والأنا والبياض.

 يوكد هنا شاعرنا على صوفية نصوصه وهو يجعل لأغلب الانبياء وخاتمهم سيدنا محمد (ص) مواقف يوضح فيها مكانة الأنبياء عند الخالق العظيم (الله).

 الشاعر لم يكتب موقفا لنبي الله يوسف لكنه يتحدث عنه كثيرا في موقف يعقوب ومواقف أخرى عديدة ضمن مجموعته الباهرة هذه (مواقف الألف). في موقف يعقوب ص 47 يقول الشاعر :

 

أوقَفَني في موقفِ يعقوب

وقال: يا عبدي

أرأيتَ إلى صبرِ يعقوب،

صبر تهدُّ له الجبال هَدّاً،

صبر صَيّرَ يعقوبَ دمعةً

بحجمِ نبيّ،

وألماً بحجمِ نبيّ،

وأَسَفاً بحجمِ نبيّ.

فأكرمتُه بعد هذا العناء العظيم

فكانَ بحقٍّ نبيّاً،

وابناً لنبيّ،

وأباً لنبيّ.

كانَ يعقوب من العارفين:

أن لا ملجأ منّي إلّا إليّ.

 

وفي قصيدة (موقف كربلاء) يبدع الشاعر أديب كمال الدين في تصوير مشهد من مشاهد الطف المؤلمة التي دارت رحاها في عام 61 هجرية. وكانت ثورة الحسين (ع) ضد الطغاة والظالمين بقولته الشهيرة (هيهات منا الذلة). يقف الشاعر في قصيدته وسط مخيم الحسين (ع) وسط السهام ورؤوس الشهداء المقطّعة المحمولة فوق أسنة الرماح، وثمة نساء وأطفال ودموع ثقيلة وجنود يرقصون طربا رقصة طغاتهم.  كان الشاعر يقف هذا الموقف وهو يرى الجثث والسبايا والعطش الذي يبّس الألسن، تصوير شعري لمشهد مخيف وما زال حتى يومنا هذا فيقول الشاعر في موقف كربلاء ص 56

 

أوقَفَني في موقفِ كربلاء

وقالَ لي:

يا عبدي

امشِ خلفَ الرماح

امشِ خلفَ رأس أبيك

المحمولِ على الرماح.

أنتَ الناجي الوحيد

وسطَ نساء يبكين بدموعٍ ثِقال

والجندُ يرقصون طرباً رقصةَ الذهب،

وروحُكَ ترقصُ معهم

رقصةَ العطشِ والرُّعبِ والتعب.

أنتَ الناجي الوحيد

بين جَمْعٍ عجيب

تحدّقُ مذهولاً في زرقةِ الكون

وتستنجدُ بكلماتي التامّات 

لأنظر إلى محنتِكَ التي بدأتْ في كربلاء

 

ومن الصوفية العالية ينقلنا الشاعر إلى مواقف كل يوم ومواقف السجن والحاجب والندم والدمعة والطاغية، ثم مواقف الأول والآخر وموقف الذهب وقسوة القلب والسلام والحجاب والبيت والحمد وآخرها موقفيّ الدائرة والجنة !

في كل مواقف المجموعة ثمة علوم وأخبار وصوفية وحب وحنين وأخطاء وحكم ومواعظ وصبر وخوف وسلام وأمان، كذلك ثمة تناص قرآني واقتباس من كتاب النفري (المواقف) عبر كلمة (أوقفني) التي أبتدأ الشاعر قصائد المجموعة كلها وهو يشير إلى الذات الإلهية وقد أكد عليها الشاعر في بداية مفتتحه للمجموعة .. ونقرأ في قصيدة (موقف الذهب) نصّا باهرا في معناه والشاعر يسطر حروفه ببراعة وإتقان، فالذهب الذي يسحر ناظره ويغويه وتتقاتل الناس من أجل الحصول عليه تلخص ماهية قصيدة الشاعر كما نرى في ص 86

:

أوقَفَني في موقفِ الذهب

وقال: هذا هو الذهب بين يديك.

فهل سحرَكَ منظرُه أم أَلَقُه

أم أدهشتْكَ نعومتُه وغواياتُه؟

هل تذكّرتَ مَشهدَ المتقاتلين مِن أجله،

البائعين كلّ شيء مِن أجلِ رنينه؟

هل تذكّرتَ كيفَ خالطه الدَّم

وأحاطتْ به السّكاكين مِن كلِّ جانب؟

ها قد حملتَ الذهبَ على ظهرِكَ اليوم

فماذا وجدتَ سوى غِلْظة وفظاظة

لامستْ قلبَك؟

هذا هو ملمسُ الذهبِ يا عبدي:

ملمسُ الباطلِ في صورةِ الشَّمس.

 

وهكذا هو الشاعر ينثر حروفه بعد أن يشكّل منها قصائده النابعة من فكر حر متنور يتبع أثر الإنسان في مأساته . ونقرأ أخيرا في مجموعة الشاعر أديب كمال الدين (مواقف الألِف) قصيدة بعنوان (موقف الجنة) وهي آخر قصائد المجموعة حيث يقول فيه ص 94

 

أوقَفَني في موقفِ الجَنّة

وقال: هذه هي الجَنّة.

فانظرْ إلى رحمةِ ربّك

كيفَ أحاطتْ بك.

ادخلْها فأنتَ مِن المُكرَمين

وقل: الحمدُ للهِ ملء السَّماوات والأرض.

فأنتَ ما دخلتَها يا عبدي

بألفِكَ بل بقافي،

ولا بمحبّتِكَ بل بمحبّتي لك،

ولا بصبرِكَ بل بصبري عليك.

ادخلْها وقلْ:

الحمدُ للهِ الذي هَدانا لهذا

وما كُنّا لنهتدي لولا أنْ هَدانا الله.

وقل: سلامٌ قولاً مِن ربٍّ رحيم.

 

عنوان مجموعة الشاعر أديب كمال الدين ( مواقف الألِف)يعني   الوقوف بخشوع أمام الحرف والذات من خلال الشعر، وقد أختار الشاعر حرف الألِف لتلك المواقف كونه الحرف الأول الذي تبتدئ فيه لغتنا العربية والتي هي لغة القرآن .

إنها مجموعة شعرية يتألق فيها شاعرنا أديب كمال الدين كعادته في أغلب مجاميعه الأخرى والتي أخذت على عاتقها القيام بفتوحات كثيرة في قصيدة النثر العراقية والعربية الحديثة لتكون في طليعة الشعر العربي لِما فيها من مواصفات عالية التقنية والتكنيك خاصة في استنطاق حروفنا العربية شعرياً وهي تجربة فريدة من نوعها تُحسب للشاعر المجدد أديب كمال الدين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

مواقف الألف : مجموعة شعرية

أديب كمال الدين

الناشر : الدار العربية للعلوم ناشرون / بيروت

***********************************

نُشرت المقالة في جريدة أوروك في 22 آب 2023

 

الصفحة الرئيسية

All rights reserved

جميع الحقوق محفوظة

Home